ابن أبي الحديد
77
شرح نهج البلاغة
اللهم فاسقنا غيثك ، ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، يا أرحم الراحمين . اللهم إنا خرجنا إليك نشكو إليك مالا يخفى عليك ، حين ألجأتنا المضايق الوعرة ، وأجاءتنا المقاحط المجدبة ، وأعيتنا المطالب المتعسرة ، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة . اللهم إنا نسألك ألا تردنا خائبين ، ولا تقلبنا واجمين ، ولا تخاطبنا بذنوبنا ، ولا تقايسنا بأعمالنا . اللهم انشر علينا غيثك وبركتك ، ورزقك ورحمتك ، واسقنا سقيا ناقعة مروية معشبة ، تنبت بها ما قد فات ، وتحيي بها ما قد مات ، نافعة الحيا ، كثيرة المجتنى ، تروى بها القيعان ، وتسيل البطنان ، وتستورق الأشجار ، وترخص الأسعار ، إنك على ما تشاء قدير . * * * الشرح : تظلكم : تعلو عليكم ، وقد أظلتني الشجرة واستظلت بها . والزلفة : القربة ، يقول : إن السماء والأرض إذا جاءتا بمنافعكم - أما السماء فبالمطر ، وأما الأرض فبالنبات - فإنهما لم تأتيا بذلك تقربا إليكم ، ولا رحمة لكم ، ولكنهما أمرتا بنفعكم فامتثلتا الامر ، لأنه أمر من تجب طاعته ، ولو أمرتا بغير ذلك لفعلتاه . والكلام مجاز واستعارة ، لان الجماد لا يؤمر ، والمعنى أن الكل مسخر تحت القدرة الإلهية ، ومراده تمهيد قاعدة الاستسقاء ، كأنه يقول : إذا كانت السماء والأرض أيام الخصب والمطر والنبات لم يكن ما كان منهما محبة لكم ، ولا رجاء منفعة منكم ، بل طاعة الصانع الحكيم سبحانه فيما سخرهما له ،